ابن أبي العز الحنفي

20

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )

حَكَمَ بِهِ عَدَلَ ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ » ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى . وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ دِينًا يَدِينُونَ به ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِدِينِهِ الَّذِي شَرَعَهُ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ . وَقَدْ نَزَّهَ اللَّهُ - تَعَالَى - نَفْسَهُ عَمَّا يَصِفُهُ بِهِ الْعِبَادُ ، إِلَّا مَا وَصَفَهُ بِهِ الْمُرْسَلُونَ ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ } { وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ } { وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ( 1 ) ، فَنَزَّهَ نَفْسَهُ سُبْحَانَهُ عَمَّا يَصِفُهُ بِهِ الْكَافِرُونَ ، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ، لِسَلَامَةِ مَا وَصَفُوهُ بِهِ مِنَ النَّقَائِصِ وَالْعُيُوبِ ، ثُمَّ حَمِدَ نَفْسَهُ عَلَى تَفَرُّدِهِ بِالْأَوْصَافِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا كَمَالَ الْحَمْدِ . وَمَضَى عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرُ الْقُرُونِ ، وَهُمُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ ، يُوصِي بِهِ الْأَوَّلُ الْآخِرَ ( 2 ) وَيَقْتَدِي فِيهِ اللَّاحِقُ بِالسَّابِقِ . وَهُمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِنَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُقْتَدُونَ ، وَعَلَى مِنْهَاجِهِ سَالِكُونَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي } ( 3 ) . فَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ : { وَمَنِ اتَّبَعَنِي } مَعْطُوفًا عَلَى الضَّمِيرِ فِي { أَدْعُو } ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَتْبَاعَهُ هُمُ الدُّعَاةُ إِلَى اللَّهِ ، وَإِنْ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى الضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلِ ، فَهُوَ صَرِيحٌ أَنَّ أَتْبَاعَهُ هُمْ أَهْلُ الْبَصِيرَةِ فِيمَا جَاءَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ ، وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ حَقٌّ . وَقَدْ بَلَّغَ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَلَاغَ الْمُبِينَ ، وَأَوْضَحَ الْحُجَّةَ لِلْمُسْتَبْصِرِينَ ، وَسَلَكَ سَبِيلَهُ خَيْرُ الْقُرُونِ . ثُمَّ خَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ، وَافْتَرَقُوا ، فَأَقَامَ اللَّهُ لِهَذِهِ

--> ( 1 ) سورة الصَّافَّاتِ ، الآيات : 180 - 182 . ( 2 ) في المطبوعة « للآخر » . ( 3 ) سورة يُوسُفَ آية : 108 .